عبد الملك الجويني
102
الشامل في أصول الدين
على أنا لو قدرنا مقتضيا معدوما ، لما اختص اقتضاؤه بامتزاج الطبائع بوقت دون وقت ، ولو كان المقتضى للامتزاج موجودا ، لم يخل : إما أن يكون قديما أو حادثا . فإن كان قديما ، لزم منه قدم الامتزاج ، إذ ليس اقتضاء الامتزاج أولى بوقت منه بآخر . وإن كان المقتضى حادثا ، فينبغي أن يفتقر إلى مؤثر مقتض له ، ولا مؤثر عندهم إلا امتزاج الطبائع . فاقتضى ذلك أن تمتزج الطبائع ، ليثبت مقتضى الامتزاج ، ويثبت المقتضى لتمتزج الطبائع ، وهذا غاية التناقض . وإن أثبتوا حادثا مقتضيا للامتزاج ولا مقتضى له ، لزمهم تجويز حدوث العالم من غير أن يقدروا له مقتضيا . وهذا فيه إبطال القول بالطبع المؤثر . فإن قالوا : ألستم أثبتم صانعا وصفتموه بأنه قادر في أزله ، ثم أحلتم وقوع المقدور في الأزل ، وجوزتم وقوعه فيما لا يزال ، فبم تنكرون على من يزعم أن ما يقتضي امتزاج الطبائع قديم ، ولكنه يقتضي الامتزاج فيما لا يزال ؟ قلنا : هذا الذي ألزمتمونا ليس من قبيل ما ألزمناكم . فإن الطبيعة عندكم توجب تأثيرها من غير تقدير اختياره ، والدليل عليه أن الامتزاج لما اقتضى تركب العالم ، لم يجز استئخار التركيب عنه ، فلو ثبتت طبيعة قديمة تقتضي امتزاجا ، لما استأخر مقتضاها عنها ، كما لم يستأخر مقتضى الامتزاج عنه . وأما القادر ، فليس يقتضي مقدوره إيجابا ، بل يثبت مقدوره على اختيار من القادر ، فاستبان افتراق الالزامين . وعلى الطبائعيين ضروب من الكلام ، رأينا تأخيرها ، وقصرنا الكلام الآن على ما يتضمن إبطال القول بقدم الطبائع . ونقول لهم : ما ادعيتموه ، أعلمتموه ضرورة أم نظرا ؟ فإن ادعوا العلم الضروري ، سقطت مكالمتهم وقوبلوا بمثل دعواهم . وإن زعموا أنهم علموا معتقدهم نظرا ، طولبوا بإظهاره . فإن قالوا : إنما قلنا إن الطبائع أصول العالم ، من حيث لم يخل جزء من أجزاء العالم عن الطبائع الأربع . فيقال لهم : أول ما يلزمكم على ذلك ، القول بقدم الجواهر . فإنا كما لم نصادف الجواهر دون الطبائع ، لم نصادف الطبائع دون الجواهر . فإن لم يلزم الحكم بقدم الجواهر ، لم يلزم ذلك في الطبائع . ثم نقول : كما لم تخل الجواهر عن الطبائع على زعمكم ، فكذلك لم تخل عن الأكوان والألوان وما عداها من الأعراض ، فهلا قلتم إن أصول العالم الأكوان من حيث لم تعر الجواهر منها ، ثم نقابل مذهب هؤلاء بمذهب الثنوية ونقول لهم : بم تنكرون على من قال لكم من الثنوية أن أصل العالم النور والظلمة ، من حيث لم يخل عنها الجواهر ، وكل ما قلناه توسع منا في الكلام وتسليم للطبائع جدلا ، ولو ناقشناهم في إثباتها على ما سنذكره في التولد ، لم يجدوا إلى إثباتها سبيلا .